اسماعيل بن محمد القونوي

127

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

بقوله تنشأ بأن خص كل قوت بقطر وفيه نظر لا يخفى فإن كل نوع لا يختص بقطر بل أكثرها مما ينتظم به أصل المعاش مشترك كالحنطة كما يشهد به الحس والمشاهدة فإن أكثر الحيوانات تنشأ من قطر واحد إلا أن يراد المبالغة فإن لبعض الأراضي خواص لا يوجد في غيرها كما يعلم بالاستقراء ليكون الناس محتاجين بعضهم لبعض وهو مقتض للمودة والتحاب بينهم وبهذا عمارة الأرض وانتظام أمر المعاش فسبحان من دقت حكمته وجلت عظمته وقرىء وقسم من الثلاثي وهو مؤيد للوجه الثاني في الجملة وينتظم الأول أيضا . قوله : ( في تتمة أربعة أيام ) والمراد في يومين وجه اختيار ما ذكر سيجيء وإنما احتاج إلى ذلك أي تقدير المضاف وهو تتمة لأن ظاهره لو أريد لزم كون خلق السماء والأرض في ثمانية أيام لأنه تعالى بين أنه خلق الأرض في يومين ثم صرح أيضا بأنه قضيهن سبع سماوات في يومين فلو أريد بأربعة أيام هنا ظاهرها لزم كونهما مخلوقتين في ثمانية أيام وهو في ستة أيام « 1 » كما صرح به في النظم الكريم في مواضع شتى . قوله : ( كقولك سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام وإلى الكوفة في خمسة عشر يوما ) حاول بيان صحة المعنى المذكور من هذا المعنى إذ المعنى في خمسة يكون بها جملة السفر من البصرة خمسة عشر فهو بتقدير مضاف أي في تتمة خمسة عشر بقرينة ما قبله حيث قال إلى البغداد في عشر ثم عطف عليه قوله وإلى الكوفة في خمسة عشر فدل على أن مراده ما ذكر . قوله : ( ولعله قال ذلك ولم يقل في يومين للإشعار باتصالهما باليومين الأولين والتصريح على الفذلكة ) للإشعار هذا لا يلائم كون معنى يومين نوبتين ويكون معنى أربعة أيام أربعة نوب جمع نوبة وقد عرفت أن كونها نوبتين إنما يتحقق بأن يكون بينهما وقت خال عن الخلق وإلا لكان نوبة واحدة لا نوبتين وكذا الكلام في أربعة نوب والتعويل على قوله والتصريح على الفذلكة أي التنصيص عليها ولذا عدي التصريح بعلى والمراد بالفذلكة هنا كالفذلكة أي أنه جار مجرى الفذلكة كما نبه عليه صاحب الكشاف إذ الفذلكة تذكر فيها تفاصيل إعداد ثم يؤتى لها بجملة فيقال صم ثلاثة أيام وسبعة أيام تلك عشرة كاملة وهنا إذا قيل يومان ويومان فهي أربعة ولم يجئ هكذا إلا أن يقال إنه بمنزلته لكنه ترك للعلم به قوله : كقولك سرت من البصرة الخ يريد أن في أربعة أيام ليس قيدا لقدر فقط حتى يكون تقدير الأقوات في أربعة أيام غير يومي خلق الأرض بل هو قيد لمجموع خلق وقدر يومان لخلق الأرض ويومان لتقدير القوت والجميع أربعة أيام فقوله في أربعة أيام فذلكة ذلك الأيام الفذلكة في الحساب هي أن يذكر أولا أشياء مفصلة ثم يجمع تلك التفاصيل ويكتب في مؤخر الحساب فذلك كذا فبنى من لفظ فذلك كذا فعل قالوا فذلك يفذلك فذلكة كالبسملة والحمدلة .

--> ( 1 ) قيل خلق الأرض يوم الأحد والاثنين وخلق ما فيها يوم الثلاثاء والأربعاء كما في الكشاف .